لم تجد الصحافة الجزائرية، على ما يبدو، ما يكفي من الإنجازات للاحتفاء به، فقررت أن تجعل من اقتناء طائرتين طبيتين حدثًا استثنائيًا يستحق الاحتفال الواسع، وكأن الجزائر حققت اختراقًا علميًا غير مسبوق أو وضعت قدمها في نادي الدول التي تصنع التكنولوجيا المتقدمة. صفقة لشراء طائرتين من طراز «سيسنا سكاي كوريير» تحولت في بعض التغطيات إلى قصة نجاح كبرى، فيما ظل السؤال الأساسي بعيدًا عن الأضواء: ماذا سيستفيد المواطن الجزائري فعليًا من هذا الاقتناء؟
ووفقًا لما نشرته وسائل إعلام جزائرية، فقد اجتازت الطائرتان المصنعتان في الولايات المتحدة الاختبارات التقنية اللازمة، استعدادًا لوصولهما إلى مطار الجزائر قبل نهاية أكتوبر الجاري. كما استغلت السفارة الأمريكية المناسبة للإشارة إلى العلاقات التجارية بين البلدين. صفقة تجارية عادية في جوهرها، لكنها اكتسبت في الخطاب الإعلامي الجزائري أبعادًا تتجاوز قيمتها العملية، وكأن مجرد شراء معدات من الخارج أصبح في حد ذاته إنجازًا يستوجب الاحتفاء الاستثنائي.
لا أحد ينكر أهمية الطائرات الطبية في نقل المرضى وتقديم المساعدة في المناطق التي يصعب الوصول إليها، لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول المشتريات إلى مادة للدعاية، بينما تبقى الأسئلة المرتبطة بالخدمات الأساسية بعيدة عن النقاش الجاد. فالإنجاز الحقيقي لا يُقاس بحجم العناوين التي ترافق الإعلان عنه، بل بما يضيفه إلى حياة الناس.
الطائرات الطبية لا تطفئ حرائق الغابات
لو أرادت الجزائر أن تقيس قيمة هذه الصفقة بمعيار الحاجات الملحة للمواطنين، لكان من الضروري وضعها ضمن نقاش أوسع حول الاستعداد للكوارث وقدرة المؤسسات على مواجهة الأزمات. فقد كشفت حرائق غشت 2021 في منطقة القبائل عن حجم المأساة التي يمكن أن تخلفها النيران عندما تلتهم الغطاء الغابوي وتهدد التجمعات السكنية وتحصد الأرواح.
في مثل هذه الظروف، لا تنفع الاحتفالات الإعلامية ولا التصريحات الدبلوماسية في مواجهة ألسنة اللهب. المطلوب هو توفر وسائل متخصصة لمكافحة الحرائق، وخطط تدخل فعالة، وتجهيزات تتناسب مع حجم المخاطر، إلى جانب الوقاية والاستعداد المسبق.
وهنا تبرز المفارقة التي تستحق النقاش: اقتناء طائرتين للإخلاء الطبي لا يعالج تلقائيًا النقص المحتمل في وسائل مكافحة الحرائق، لأن لكل نوع من الطائرات وظيفة مختلفة. وإذا كانت الصفقة موجهة بالفعل إلى تعزيز النقل الطبي، فإن تقييمها ينبغي أن ينطلق من هذه المهمة، لا من تقديمها باعتبارها حلًا شاملًا لمشكلات البلاد.
المشكلة ليست في شراء الطائرات، بل في الطريقة التي تُعرض بها الإنجازات، وفي مدى ارتباطها بالحاجات الحقيقية للمجتمع. فالمواطن الذي يتابع أخبار الصفقات الكبرى يريد أن يعرف ما إذا كانت قدرات الإنقاذ تتحسن، وما إذا كانت الاستثمارات العمومية تُترجم إلى نتائج ملموسة عندما تقع الكوارث.
بين طائرة الإسعاف والمستشفى العمومي
أما الملف الصحي، فيفتح بابًا آخر للنقاش يتعلق بمدى استفادة مختلف فئات المجتمع من الخدمات العلاجية. فوجود طائرات طبية يمكن أن يشكل إضافة مهمة لمنظومة الإنقاذ، لكنه لا يعوض الحاجة إلى مستشفيات مجهزة، وأطر صحية كافية، ومواعيد علاج معقولة، وخدمات يستطيع المواطن الوصول إليها دون أن تتحول رحلة البحث عن العلاج إلى معاناة إضافية.
وفي هذا السياق، تبرز مسألة الفوارق في إمكانات الوصول إلى الرعاية الصحية. فحين يستطيع بعض الأشخاص الاستفادة من إمكانات السفر للعلاج خارج البلاد، بينما يواجه آخرون صعوبات في الحصول على الخدمات داخل المستشفيات العمومية، يصبح من المشروع طرح أسئلة حول الإنصاف في توزيع الإمكانات والأولويات.
وكان الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون قد تلقى العلاج في ألمانيا سنة 2020، خلال فترة إصابته بفيروس كورونا. ولا يعني ذلك أن السفر للعلاج، في حد ذاته، دليل على فشل المنظومة الصحية الوطنية، لكنه يسلط الضوء على نقاش أوسع بشأن ثقة المواطنين في الخدمات الصحية المتاحة داخل بلادهم، ومدى قدرتها على تلبية حاجاتهم.
ومن هنا، فإن نجاح الطائرتين الجديدتين لن يتحدد بعدد التصريحات التي رافقت اقتناءهما، بل بمدى وضعهما في خدمة المرضى الذين يحتاجون إليهما، وبوضوح شروط الاستفادة منهما، وبقدرتهما على تقديم قيمة فعلية لمنظومة الإنقاذ الطبي.
من يصفق للصفقة ومن يحاسب على نتائجها
تستحق أي معدات جديدة تُقتنى لخدمة المواطنين تقييمًا موضوعيًا، بعيدًا عن التهويل أو التقليل من أهميتها. وإذا كانت السلطات الجزائرية تعتبر اقتناء الطائرتين خطوة متقدمة في مجال النقل الطبي، فإن الاختبار الحقيقي يبدأ بعد دخولهما الخدمة، عندما يصبح بالإمكان قياس أثرهما على عمليات الإنقاذ والاستجابة للحالات المستعجلة.
هل ستساهمان في تقليص الوقت اللازم لنقل المرضى؟ هل ستصل خدماتهما إلى المناطق التي تحتاج إليها أكثر من غيرها؟ وهل ستندرجان ضمن سياسة صحية متكاملة بدل أن تبقيا مجرد عنوان بارز في سجل المشتريات؟
هذه أسئلة عملية، والإجابة عنها هي التي ستحدد القيمة الحقيقية للصفقة. أما الحديث عن السبق العالمي، فيحتاج بدوره إلى معطيات دقيقة ومقارنة موثقة، لا إلى الاكتفاء بعناوين إعلامية تحتفي بالحدث دون تقديم ما يكفي من التفاصيل.
فالطائرة الطبية ليست طائرة لإخماد الحرائق، ولا يجوز تحميلها مسؤولية مهام لم تُصمم من أجلها. لكن من حق المواطنين أن يسألوا عن حجم الاستثمار في الوقاية من الكوارث، وعن جاهزية وسائل التدخل، وعن نصيب المستشفيات العمومية من الاهتمام والموارد.
الإنجاز الذي يستحق الاحتفال هو ما يشعر به المواطن
قد تصل الطائرتان إلى الجزائر وسط التغطية الإعلامية والاهتمام الرسمي، لكن قيمتهما الحقيقية ستظهر في الميدان، عندما يحتاج مريض إلى نقل عاجل، أو عندما تتطلب حالة طبية تدخلاً سريعًا لا تستطيع الوسائل التقليدية توفيره بالسرعة المطلوبة.
وفي المقابل، إذا اندلعت حرائق جديدة، فستظل الحاجة قائمة إلى وسائل متخصصة لمكافحة النيران، وإلى استعداد مؤسساتي يتناسب مع حجم الأخطار. فلا يمكن لطائرتين مخصصتين للنقل الطبي أن تحلا محل منظومة متكاملة للوقاية من الكوارث والاستجابة لها.
المطلوب إذن ليس رفض الصفقة لمجرد أنها اقتناء جديد، ولا تحويلها إلى إنجاز تاريخي قبل اختبار نتائجها، وإنما إخضاعها للمعيار نفسه الذي ينبغي أن تخضع له كل السياسات العمومية: ما فائدتها؟ من يستفيد منها؟ وما أثرها الفعلي على حياة المواطنين؟
أما الخلاصة، فهي أن شراء الطائرات قد يكون خطوة مفيدة، لكن تضخيم الصفقة إعلاميًا لا يجعلها إنجازًا استثنائيًا تلقائيًا. ففي النهاية، لا يحتاج المواطن إلى أخبار تُشعره بأن كل عملية شراء حدث عالمي، بل إلى خدمات صحية أفضل، واستعداد أكبر للكوارث، وإمكانات إنقاذ تصل إليه عندما يكون في أمسّ الحاجة إليها.

