في كواليس السياسة الدولية، لا تُعلن كل المواجهات بصوت عالٍ، لكن إشاراتها تكون أوضح من أي تصريح رسمي.
هذا ما يحدث اليوم بين الجزائر وواشنطن، حيث تتصاعد مؤشرات توتر صامت، عنوانه الأبرز: ملف الصحراء والبوليساريو.
ورغم غياب رد رسمي من الجزائر على مبادرة السيناتور الجمهوري تيد كروز، التي تسعى إلى تصنيف جبهة البوليساريو كمنظمة إرهابية، إلا أن دخول عبد العزيز رحابي، الوزير السابق والدبلوماسي المعروف بمواقفه حول ملف الصحراء الغربية،اختار كسر هذا الصمت.
الرجل، المعروف بقربه من دوائر القرار، غالبا ما يلعب دور “صوت غير رسمي” للسلطة في اللحظات الحساسة.
رحابي اختار كسر الصمت عبر مقال يحمل رسائل سياسية واضحة، معتبرا أن تحركات كروز والنائب جو ويلسون تأتي ضمن استراتيجية أمريكية أوسع تهدف إلى ربط البوليساريو بإيران، تمهيدا لتصنيفها تنظيما إرهابيا، وهو سيناريو قد يضع الجزائر في مرمى عقوبات مباشرة باعتبارها الداعم الرئيسي للجبهة.
ولم يتردد الدبلوماسي الجزائري في اتهام صناع القرار في واشنطن بالخضوع لضغوط جماعات الضغط، مشيرا إلى أن هذا النهج يعكس ما وصفه بـ”الدبلوماسية القائمة على الصفقات”، والتي تعززت بشكل أكبر في السياق السياسي الأمريكي الحالي.
لكن ما بين السطور، تبدو الرسالة أوضح: الجزائر ترى في هذه التحركات محاولة ضغط ممنهجة لإعادة تشكيل مواقفها ودفع البوليساريو نحو تنازلات، خاصة في ظل تحركات دبلوماسية تقودها الولايات المتحدة لتسريع الحسم في ملف الصحراء.
وفي هذا السياق، أشار رحابي إلى أن التنسيق في توقيت ومضمون هذه المبادرات لا يمكن فصله عن رغبة أمريكية في فرض إيقاع جديد على المفاوضات، خصوصا بعد الاجتماعات التي احتضنتها مدريد وواشنطن، والتي شاركت فيها الجزائر بصمت لافت.
ورغم تأكيده أن تصنيف التنظيمات الإرهابية يظل من اختصاص وزارة الخارجية الأمريكية، فإن الواقع السياسي داخل واشنطن يكشف عكس ذلك جزئيا، حيث تلعب المبادرات التشريعية والضغوط السياسية التي يقودها أعضاء الكونغرس دورا محوريا في توجيه القرار التنفيذي.
الأمثلة كثيرة، من بينها مبادرة كروز السابقة لتصنيف جماعة الإخوان المسلمين، والتي مهدت لاحقا لمواقف رسمية أكثر تشددا، وصولا إلى قرارات اتخذتها إدارة ترامب بخصوص بعض الفروع المرتبطة بها.
في المقابل، حاولت الجزائر التحرك داخل الكواليس، حيث سعى سفيرها في واشنطن صبري بوقادوم إلى إقناع أطراف داخل الكونغرس بالتراجع عن دعم مشاريع تستهدف البوليساريو، في مؤشر واضح على إدراك الجزائر لحجم التأثير الذي تمارسه المؤسسات التشريعية الأمريكية.
كما تزامنت هذه التطورات مع تحركات موازية، من بينها مراسلات وجهتها جهات دولية إلى الكونغرس الأمريكي لنفي أي ارتباط بين البوليساريو وإيران، في محاولة لاحتواء التصعيد المتزايد.
لكن، وبعيدا عن التصريحات والبيانات، تبدو الصورة أكبر من مجرد خلاف دبلوماسي عابر… إنها معركة نفوذ تتشكل ملامحها في صمت، حيث تختبر واشنطن أوراق الضغط، بينما تحاول الجزائر كسب الوقت وتفادي الانزلاق نحو مواجهة مباشرة.
في النهاية، ما يجري اليوم ليس سوى فصل جديد من صراع معقد، عنوانه الظاهر “تصنيف منظمة”، لكن جوهره الحقيقي هو إعادة رسم موازين القوة في المنطقة… حيث لا مكان للحياد، وكل خطوة محسوبة بدقة.

