تتجه المؤسسة التشريعية في الجزائر، بغرفتيها، إلى الانخراط في مسار تعديل دستوري يُقدَّم رسمياً كإجراء تقني، في وقت تعكس فيه المؤشرات تعبئة برلمانية سريعة، تمهيداً للمصادقة المرتقبة خلال أيام.
غير أن هذا التحرك، رغم تغليفه بالمساطر القانونية، يثير تساؤلات حول طبيعته الحقيقية، إذ يُنظر إليه كخطوة سياسية تهدف إلى إعادة ترتيب موازين السلطة بشكل يعزز موقع الجهاز التنفيذي، ويمنحه هامشاً أوسع للتحكم في مؤسسات الدولة.
وتبرز بعض البنود المقترحة كعناصر مثيرة للجدل، خاصة تلك المرتبطة بالمجلس الأعلى للقضاء، حيث يُفهم من التعديلات تقليص دوره في التعيينات الحساسة، وهو ما قد ينعكس على مستوى استقلالية السلطة القضائية.
كما يطرح مقترح تمديد مدة ولاية رئيس مجلس الأمة إلى ست سنوات نقاشاً حول دلالاته السياسية، خصوصاً فيما يتعلق بضمان استقرار هذا المنصب لفترة أطول داخل هرم السلطة.
وفي سياق متصل، تتضمن التعديلات مقتضيات تمنح رئيس الجمهورية صلاحيات أوسع في الدعوة إلى انتخابات محلية مسبقة، وهو ما يُفسَّر من طرف منتقدين كإمكانية للتأثير المباشر في التوازنات الانتخابية.
أما الشروط الجديدة المتعلقة بالترشح، مثل اشتراط مستوى تعليمي معين، فتُطرح بدورها للنقاش، بين من يراها خطوة لتنظيم الحياة السياسية، ومن يعتبرها آلية قد تحد من التعددية.
ويأتي هذا التعديل في سياق برلماني يُرجح تمريره بأغلبية مريحة، ما يفتح باب التساؤل حول جدوى اللجوء إلى المسار البرلماني بدل الاستفتاء الشعبي، خاصة في قضايا ذات طابع دستوري عميق.
في المحصلة، يعكس هذا الورش الدستوري جدلاً متصاعداً بين من يراه إصلاحاً ضرورياً لتحديث المؤسسات، ومن يعتبره إعادة صياغة لقواعد اللعبة السياسية بما يخدم توازنات قائمة، بعيداً عن نقاش مجتمعي واسع حول مستقبل النظام السياسي.

