سلّط تقرير حديث نشرته مجلة “جون أفريك” الضوء على تحول لافت في المقاربة الاقتصادية للجزائر، يتمثل في العودة إلى خيار الاقتراض الخارجي بعد سنوات من تبني خطاب رسمي كان يرفض هذا التوجه ويعتبره مساساً بالسيادة الوطنية.
وأوضح التقرير أن هذا التحول يبرز بشكل واضح من خلال مشروع طموح يهم تطوير مناطق الجنوب، خاصة مدينة المنيعة، التي تراهن عليها السلطات كقطب فلاحي واعد بفضل احتياطاتها من المياه الجوفية. غير أن تحقيق هذا الهدف يتطلب بنية تحتية متطورة، على رأسها مشروع خط سككي يربط شمال البلاد بجنوبها وصولاً إلى تمنراست.
وأشار المصدر ذاته إلى أن تمويل هذا المشروع لن يعتمد فقط على الموارد الداخلية، بل يجري التوجه نحو تعبئة قرض يفوق 3 مليارات دولار من البنك الإفريقي للتنمية، في خطوة تُعد من أبرز مؤشرات التحول في السياسة الاقتصادية الجزائرية.
ويرى التقرير أن هذا التوجه يمثل قطيعة نسبية مع سياسة “رفض المديونية الخارجية” التي ظلت الجزائر تتبناها منذ التسعينيات، عقب الأزمة الاقتصادية الحادة التي دفعتها سنة 1994 إلى اللجوء لصندوق النقد الدولي، وما رافق ذلك من إصلاحات مؤلمة تركت أثراً عميقاً في الذاكرة الوطنية.
ومنذ تلك المرحلة، اعتمدت الجزائر سياسة تقليص الاعتماد على الديون الخارجية، مستفيدة من عائدات النفط خلال فترات ارتفاع الأسعار لتكوين احتياطات مالية وتسديد جزء كبير من التزاماتها. غير أن هذه المقاربة بدأت تواجه تحديات متزايدة في ظل الضغوط الاقتصادية الحالية.
ويظل الاقتصاد الجزائري معتمداً بشكل كبير على قطاع المحروقات، الذي يمثل النسبة الأكبر من الصادرات، ما يجعله عرضة لتقلبات الأسواق الدولية. وفي هذا السياق، أصبح تمويل المشاريع الكبرى داخلياً أكثر صعوبة، الأمر الذي دفع السلطات إلى مراجعة بعض اختياراتها السابقة.
ويطرح هذا التحول تساؤلات حول مدى استمرارية الخطاب الذي كان يربط السيادة برفض الاقتراض الخارجي، خاصة في ظل تصريحات سابقة للرئيس عبد المجيد تبون أكد فيها أن الاستدانة تمس بالقرار الوطني. غير أن المعطيات الحالية توحي بأن الضرورات الاقتصادية فرضت مقاربة أكثر براغماتية في تدبير الملفات المالية.

