في مداخلة حملت رسائل سياسية ودبلوماسية مباشرة، نقل المغرب النقاش داخل مجلس الأمن من مجرد الرد على المواقف الجزائرية إلى مساءلة الدور الذي تضطلع به الجزائر في ملف الصحراء الغربية، مسلطاً الضوء على مفارقة تتمثل في إصرارها على نفي صفتها كطرف في النزاع، مقابل حضورها المستمر في المشاورات الأممية وتقديم مواقف بشأن الحل السياسي ومستقبل المفاوضات.
ولم يقتصر الطرح المغربي على تبادل المواقف بين الرباط والجزائر، بل استند إلى طبيعة المسار الذي تشرف عليه الأمم المتحدة، وإلى الدور الذي يضطلع به المبعوث الشخصي للأمين العام في التواصل مع الأطراف المعنية بالملف.
وتشير المعطيات المنشورة من طرف الأمم المتحدة إلى أن المبعوث الشخصي يواصل مشاوراته مع المغرب وجبهة البوليساريو والجزائر وموريتانيا، كما دعا مجلس الأمن هذه الأطراف الأربعة إلى تعزيز تعاونها مع بعضها البعض ومع المنظمة الأممية، في إطار الجهود الرامية إلى إيجاد تسوية سياسية للنزاع.
الجزائر بين نفي المسؤولية والحضور في المسار الأممي
جوهر الرسالة المغربية يتمثل في إبراز التناقض بين الخطاب الجزائري الذي يقدم البلاد باعتبارها غير معنية مباشرة بالنزاع، وبين انخراطها المتواصل في المشاورات التي يقودها المبعوث الأممي، فضلاً عن مواقفها المعلنة بشأن طبيعة التسوية السياسية.
فالجزائر لا تكتفي بمتابعة تطورات الملف من موقع المراقب، وفق القراءة التي يعرضها المغرب، بل تحضر في اللقاءات الأممية وتطرح تصوراتها بشأن مسار التسوية، كما تتفاعل مع القرارات والمبادرات المرتبطة بالقضية.
وتؤكد تقارير الأمين العام للأمم المتحدة أن المبعوث الشخصي أجرى لقاءات ومشاورات متكررة مع المسؤولين الجزائريين، إلى جانب اتصالاته مع المغرب والبوليساريو وموريتانيا، وهو ما يجعل حضور الجزائر ثابتاً في آلية المشاورات السياسية التي ترعاها المنظمة الدولية.
ومع ذلك، تظل الجزائر متمسكة بموقفها القائل إنها ليست طرفاً في النزاع، وهو ما يعكس استمرار الخلاف حول توصيف دورها ومسؤوليتها في هذا الملف.
ومن هنا يبرز السؤال الذي يطرحه الموقف المغربي: كيف يمكن لدولة أن تنفي صفتها كطرف في النزاع، بينما تشارك في المشاورات المتعلقة بمستقبله وتقدم مواقف بشأن الحلول المطروحة؟
مخيمات تندوف تفتح ملف المسؤولية الإنسانية
وامتد النقاش المغربي إلى مخيمات تندوف، باعتبارها تقع فوق التراب الجزائري وتخضع لواقع يرتبط بدور الجزائر بصفتها الدولة المضيفة، وهو ما يجعل الأوضاع الإنسانية والقانونية للسكان حاضرة بقوة في النقاش حول مستقبل النزاع.
وفي هذا السياق، أعاد المغرب إثارة قضايا تسجيل السكان وإحصائهم، وضمان حقوقهم الأساسية، فضلاً عن حرية التنقل وإمكانية العودة، معتبراً أن معالجة الجانب الإنساني لا ينبغي أن تنفصل عن البحث عن حل سياسي دائم.
وتطرح الرباط، من خلال هذا التوجه، ضرورة تجاوز التعامل مع المخيمات باعتبارها وضعاً إنسانياً قائماً بذاته، والتوجه نحو معالجة الظروف التي تجعل استمرارها مرتبطاً بتعثر التسوية السياسية.
كما يثير ملف الإحصاء تساؤلات متجددة بشأن المعطيات الديمغرافية الدقيقة للسكان، ومدى انعكاس غياب تسجيل شامل على تدبير المساعدات الإنسانية وضمان حقوق المستفيدين منها.
المغرب يعيد طرح سؤال العودة من مخيمات تندوف
ومن بين المحاور التي سلطت المداخلة المغربية الضوء عليها، قضية تمكين سكان مخيمات تندوف من العودة، خصوصاً أولئك الذين يرغبون في مغادرة المخيمات والعودة إلى حياة طبيعية بعيداً عن تداعيات نزاع طال أمده.
ويتمحور الطرح المغربي حول ضرورة عدم ربط الحقوق الإنسانية الأساسية بالتوصل المسبق إلى تسوية سياسية نهائية، إذ يرى أن حرية التنقل والعودة ينبغي أن تظل حقوقاً قائمة بذاتها، وألا تتحول إلى رهينة لاستمرار المفاوضات أو تعثرها.
وبهذا الطرح، تسعى الرباط إلى نقل النقاش من حدود تدبير المساعدات الإنسانية إلى مساءلة الأسباب التي تجعل وضع المخيمات مستمراً، مع إعادة وضع حقوق السكان وحقهم في اختيار مستقبلهم في صلب الاهتمام الدولي.
وتتجاوز الرسالة المغربية، وفق هذا المنظور، مجرد مساءلة الجزائر عن موقعها في النزاع، لتشمل أيضاً مسؤوليتها في التعامل مع الوضع الإنساني داخل المخيمات، ومدى مساهمتها في تهيئة الظروف الكفيلة بإنهاء هذا الملف.

