تستحضر عبارة الملك اليوناني بيروس، التي أوردها بلوتارخ في روايته التاريخية: «انتصار آخر من هذا القبيل، وسنكون قد هلكنا»، واحدة من أبرز المفارقات العسكرية، حين يتحول الفوز في معركة إلى خسارة استراتيجية بسبب الثمن الباهظ الذي يترتب عليه. فليس كل انتصار مكسباً حقيقياً، خصوصاً عندما تكون كلفته أكبر من القدرة على تحمّل نتائجه.
في القرن الثالث قبل الميلاد، تمكن بيروس من هزيمة القوات الرومانية في معركتي هيراكليا وأسـكولوم، غير أن حجم الخسائر التي تكبدها جيشه جعله عاجزاً عن مواصلة المواجهة بالقدرة نفسها. لقد حقق انتصاراً ميدانياً، لكنه لم يكن في وضع يسمح له بتحويل ذلك التفوق إلى حسم نهائي للحرب.
وبحسب القراءة التي يقدمها هذا المقال، فإن ما جرى داخل مجلس الأمن بشأن ملف الصحراء المغربية يطرح مفارقة مشابهة بالنسبة إلى الجزائر وجبهة البوليساريو، بعدما حال الفيتو الروسي دون اعتماد مشروع القرار الأميركي المتعلق بتجديد ولاية بعثة المينورسو.
ففي 30 أكتوبر، استخدمت موسكو حق النقض ضد المشروع الأميركي الذي كان يجعل مقترح الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية أساساً للمفاوضات، مع حذف الإشارة إلى الاستفتاء من اسم البعثة الأممية. وقد اعتبرت البوليساريو والجزائر هذه الخطوة مكسباً دبلوماسياً، وعبّرت الجزائر عن امتنانها للموقف الروسي، في وقت بدا فيه أن الإشارة التاريخية المرتبطة بالاستفتاء قد نجت من الحذف.
غير أن التطورات اللاحقة حملت مفارقة لم تكن ضمن حسابات الطرفين؛ إذ لم ينجح المشروع الروسي البديل، الذي اقترح تمديد ولاية المينورسو دون إدخال تغييرات على مهامها، في الحصول بدوره على الاعتماد داخل مجلس الأمن. ونتيجة لذلك، انتهت ولاية البعثة في 31 أكتوبر دون صدور قرار جديد بتمديدها.
انتصار دبلوماسي أم مأزق سياسي؟
في محاولة للحفاظ على الإشارة المرتبطة بالاستفتاء، وجدت الجزائر والبوليساريو نفسيهما في مواجهة مشروع أميركي كان يدفع نحو اعتماد الحكم الذاتي أساساً للمفاوضات، لكن إسقاطه لم يضمن استمرار الإطار الأممي بالشكل الذي كان قائماً. وهنا تبرز المفارقة: الاحتفاء بإفشال مشروع لا يعني بالضرورة تحقيق مكسب استراتيجي، خصوصاً عندما يفشل البديل أيضاً.
فمنذ سنة 1991، ظلت بعثة المينورسو مرتبطة بوعد تنظيم استفتاء لتقرير المصير، غير أن هذا الاستحقاق لم ير النور. كما أن الإشارة إلى الاستفتاء تراجعت تدريجياً في المضامين العملية للقرارات الأممية منذ سنة 2002، لتظل حاضرة أساساً في التسمية الرسمية للبعثة.
وهكذا، تحولت مسألة الإبقاء على حرف «R» المرتبط بكلمة الاستفتاء في اسم المينورسو إلى محور رمزي في هذا السجال، رغم أن بقاءه في التسمية لم يكن كافياً لإحياء مسار الاستفتاء أو ضمان تنفيذه على أرض الواقع.
في المقابل، اعتبر بلاغ الديوان الملكي المغربي أن عدم تمديد ولاية المينورسو يشكل محطة مهمة في مسار تسوية قضية الصحراء المغربية داخل الأمم المتحدة، ويفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التعاطي مع الملف، وفق التطورات التي تشهدها القضية على المستوى الدولي.
وبين الموقف المغربي والرهانات الجزائرية والبوليساريو، يظل السؤال المطروح هو ما إذا كان التشبث بآلية أممية لم تحقق الغاية التي أُنشئت من أجلها يمثل مكسباً سياسياً، أم أن التطورات الأخيرة كشفت محدودية الرهان على استمرار الوضع السابق.
لقد انتصر بيروس في معاركه، لكنه خسر من جيشه ما جعله غير قادر على مواصلة الحرب. وعلى المنوال نفسه، قد يتحول الاحتفاء بإسقاط المشروع الأميركي إلى مكسب شكلي إذا انتهى الأمر بفقدان الإطار الذي كانت البوليساريو والجزائر تراهنان على بقائه.
ولعل المثل المغربي «جا يكحلها عماها» يلخص المفارقة التي يرسمها المقال: أرادت الجزائر، عبر دعم الموقف الروسي، الحفاظ على ورقة الاستفتاء، فإذا بتعثر مشروعي القرار يضع مستقبل البعثة الأممية نفسها أمام منعطف جديد.

